أحمد بن محمود السيواسي

286

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

بعيسى لكذبهم في مقالتهم بالإيمان به ، لأنه دعاهم إلى التوحيد بالرسالة وهم أشركوا باللّه نفسه ( وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ ) أي وحدوه وأطيعوه ( رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) أي خالقي وخالقكم فلا تشركوا به شيئا ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ ) ويمت « 1 » عليه ( فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) أي دخولها ، لأنها دار الموحدين ( وَمَأْواهُ النَّارُ ) أي مقره ومصيره نار جهنم ( وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) [ 72 ] أي ليس للمشركين مانع يمنعهم من العذاب ، وهو تعيير لهم فيما يعتقدون أن لهم أنصارا بالإيمان بعيسى وقولهم إنه هو اللّه ، قيل : إن هذه الجملة تجوز أن تكون « 2 » من كلام اللّه على معنى أنهم كذبوا وعدلوا عن سبيل الحق فيما يقولون « 3 » على عيسى وخالف قولهم قوله لهم فيعذبون في الآخرة ، وأن يكون من كلام عيسى على معنى أن ما قالوه بعيد عن العقول ، فلا ينصرهم أحد على ما يقولون يوم القيامة « 4 » . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 73 ] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 73 ) ثم بين حال الفريق الآخر من النصارى بقوله ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) أي ثلاثة آلهة ، يعنون اللّه وعيسى ومريم ، فرد عليهم بقوله ( وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ ) وهو اللّه ، و « مِنْ » فيه لاستغراق الجنس لتأكيد النفي ، ثم هددهم بقوله ( وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عن ما يَقُولُونَ ) أي إن لم يتوبوا عن مقالتهم الباطلة ( لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) [ 73 ] أي وجيع دائم إن أقاموا على كفرهم ، واللام فيه لام القسم المحذوف قبله ، ولم يقل ليمسنهم ليكون التسجيل عليهم بالكفر بتكرير الشهادة به ، وإنما قال « منهم » ، لأن بعضهم لم يكفر . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 74 ] أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 74 ) ثم دعاهم إلى التوبة من ذلك القول بقوله توبيخا بالاستفهام ( أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ ) من النصرانية ( وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ) عن كفرهم وقولهم الإثم ( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ 74 ] بهم إن تابوا إليه واستغفروه عما قالوه . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 75 ] مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 ) ( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ ) كسائر الرسل من البشر ( قَدْ خَلَتْ ) أي مضت ( مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) بالموت فهو يموت ويمضي كما مضوا ، ولو كان إلها لكان باقيا ولم يفن ، ثم أكد ذلك بقوله ( وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ) أي امرأة ، مبالغة في الصدق تشبه النبيين حين صدقت جبرائيل وما قال لها من أنا رسول ربك ، ثم زاد في ثبوت البشرية لهما بقوله ( كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ) أي يعيشان بالغداء كالآدميين ، فكيف يجوز أن يكون من يحتاج إلى الغداء إلها لكونه من أمارات الحدث المنافي للقديم ، ثم قال تعجيبا من كفرهم مع قيام الحجة الواضحة على بشريتهما ( انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ) أي الدلالات على ذلك في عيسى ومريم ، فلو كانا إلهين لما أكلا الطعام ، ثم زاد في التعجيب من تركهم الإيمان مع وضوح البرهان بقوله ( ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) [ 75 ] أي كيف « 5 » يصرفون عن الحق ويكذبون بانكارهم وحدانيتي . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 76 ] قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 76 ) ثم قال تعييرا لهم بقلة عقلهم وشدة جهلهم ( قُلْ ) يا محمد ( أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أي من غيره ( ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ) أي الذي لا يقدر لأجلكم ( ضَرًّا وَلا نَفْعاً ) في الدنيا والآخرة ، يعني عيسى وكل معبود سوى اللّه وتركتم عبادة اللّه وحده ( وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) لقولكم ( الْعَلِيمُ ) [ 76 ] بحالكم وعقوبتكم .

--> ( 1 ) ويمت ، ب س : ثلث ، م . ( 2 ) تجوز أن تكون ، س : يجوز أن يكون ، ب م . ( 3 ) يقولون ، س : تقولوا ، ب م . ( 4 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 40 - 41 . ( 5 ) أي كيف ، س : أي ، ب م .